خناقتى مع سلفى

لمحة نيوز

من أول يوم مشيت فيه من بيت جوزي، وأنا كنت فاكرة إني مش هرجع تاني.

كنت خارجة وأنا شايلة شنطتي بإيدي، ودموعي نازلة من غير ما أحس، وماما ماشية جنبي بتحاول تهديني، وأنا كل شوية أبص ورايا على باب البيت وأقول لنفسي:

"خلاص... كفاية."

المشكلة إن اللي حصل ماكانش خناقة عادية.

كانت خناقة بدأت بكلمة، وبعدها كلمة، وبعدها صوت عالي، وبعدها كلام عمره ما كان المفروض يتقال.

أنا متجوزة بقالى خمس سنين، وجوزي اسمه أحمد. وعشنا أول كام سنة في شقة لوحدنا، لكن شغلنا كان مرتبط ببيت العيلة.

بيت العيلة عندنا مش مجرد بيت.

ده كان فيه المخزن، والمكتب، والمحل، وكل شغلنا تقريبًا.

يعني حتى لو أنا وأحمد حاولنا نبعد عن المشاكل، كنا بنلاقي نفسنا مضطرين نتعامل مع أهله بشكل شبه يومي.

وأنا طول عمري كنت بحاول أكون هادية.

مش معنى كده إن علاقتي بأهل جوزي كانت مثالية، لأ.

كان فيه مواقف بتضايقني، وكلام بيتقال وأنا أعديه، وتدخلات كتير كنت بسكت عنها علشان بيتي.

لكن في اليوم ده، كل حاجة انفجرت.

كان أخو أحمد، محمود، موجود في المكتب.

حصل خلاف على حاجة تخص الشغل، وهو اتكلم معايا بطريقة أنا اعتبرتها إهانة.

قال لي كلام جارح قدام الموجودين.

أنا في الأول سكت.

حاولت أبلع الكلام وأعديه.

لكن هو كمل.

وفي لحظة، أعصابي خانتني.

رديت عليه.

والرد جر رد.

لحد ما صوتنا علي.

وأنا، من كتر ما كنت متعصبة ومجروحة، قلت له كلام ندمت عليه بعد ما هديت.

شتمته.

وأول ما الكلمة خرجت من بوقي، حسيت إن الدنيا سكتت.

حتى هو سكت.

وأحمد كان واقف بينا مش عارف يعمل إيه.

بص لي كأنه مش مصدق إني قلت كده.

وأنا بصراحة وقتها ماكنتش شايفة قدامي.

كنت شايفة بس كل المواقف القديمة، وكل مرة سكت، وكل مرة بلعت كلام علشان ماكبرش المشكلة.

وفي آخر اليوم، حصلت الخناقة الكبيرة بيني وبين أحمد.

قلت له:

"أنا مش هقعد هنا يوم واحد بعد النهارده."

هو قال:

"اعملي اللي إنتِ عايزاه."

الكلمة دي وجعتني أكتر من الخناقة نفسها.

لميت هدومي وروحت عند أهلي.

وقتها كنت متأكدة إن أحمد هيتصل بيا بعد يوم أو يومين وييجي ياخدني.

يوم عدى.

ويومين.

وأسبوع.

والأسبوع بقى أسبوعين.

وبعدين شهر.

وأنا كل يوم أقول:

"بكرة أكيد هنتكلم."

لكن مفيش حاجة حصلت بالشكل اللي كنت متخيلاه.

كنا بنتكلم أنا وأحمد، آه.

لكن الكلام كان دايمًا ناقص.

مرة نتخانق.

مرة نسكت.

مرة نتكلم في الأولاد.

مرة في المصاريف.

لكن ولا مرة حد فينا عرف يقول الجملة اللي محتاجين نقولها.

"نبدأ من جديد."

وفضل الوضع كده...

لحد ما عدى تلات شهور.

تلات شهور كاملين وأنا عند أهلي.

في خلال التلات شهور دول، غضبي بدأ يهدى.

وفي مكان الغضب، بدأ ييجي التفكير.

كنت كل ليلة قبل ما أنام أفتكر اليوم ده.

وأقول:

"هو أنا كان لازم أشتمه؟"

وأجاوب نفسي:

"هو اللي بدأ."

وبعدين أقول:

"بس برضه أنا غلطت."

وأرجع أقول:

"طب وهو اعتذر؟"

وأفضل ألف في نفس الدايرة.

لحد ما في يوم أحمد جه عند أهلي.

قعد مع بابا وماما.

وبعدين طلب يتكلم معايا لوحدنا.

دخلنا الأوضة.

قعد قدامي شوية من غير ما يتكلم.

وأنا كنت مستنية.

قال لي:

"هنفضل كده لحد إمتى؟"

بصيت له وقلت:

"مش عارفة."

قال:

"أنا تعبت."

قلت:

"وأنا كمان."

سكت شوية، وبعدها قال:

"أنا عايزك ترجعي."

الكلمة دي، رغم بساطتها، خلت قلبي يدق بسرعة.

كنت مستنية أسمعها من زمان.

لكن بدل ما أفرح، خوفت.

قلت له:

"أرجع إزاي؟"

قال:

"يعني إيه؟"

قلت:

"محمود."

سكت.

أنا كملت:

"أنا شتمته يا أحمد."

قال:

"وأنا عارف."

قلت:

"هشوفه إزاي؟"

قال:

"عادي."

ضحكت ضحكة صغيرة وقلت:

"عادي إزاي؟"

قال:

"يعني هتدخلي تسلمي."

قلت:

"وأقول له إيه؟"

هو قال:

"قولي السلام عليكم."

بصيت له باستغراب.

قلت:

"بس؟"

قال:

"أيوه. والباقي مع الوقت."

أنا كنت نفسي أصدق كلامه.

لكن جوايا كان فيه صوت بيقول:

"إنتِ راجعة تواجهّي كل اللي حصل."

وفعلًا...

جه يوم الرجوع.

من الصبح وأنا متوترة.

غيرت هدومي أكتر من مرة.

وقفت قدام المراية وبصيت لنفسي.

وقلت:

"إنتِ مش رايحة حرب."

لكن قلبي كان بيتعامل مع الموضوع كأني داخلة امتحان.

ركبت العربية مع أحمد.

طول الطريق كنت ساكتة.

هو حاول يفتح كلام كذا مرة.

وأنا كنت برد بكلمتين.

لحد ما وصلنا.

أول ما العربية وقفت قدام البيت، حسيت إني مش قادرة أنزل.

أحمد بص لي وقال:

"يلا."

قلت:

"استنى شوية."

ضحك وقال:

"إنتِ خايفة؟"

قلت:

"آه."

قال:

"من إيه؟"

قلت:

"من كل حاجة."

نزل من العربية، وفتح لي الباب.

دخلت.

أول حد شوفته كان حماتي.

حضنتني.

وقالت:

"حمد لله على السلامة يا بنتي."

أنا دموعي نزلت.

مش عارفة ليه.

يمكن علشان تلات شهور من البعد خلوني أكتشف إن الرجوع نفسه كان حلم، حتى لو البيت فيه مشاكل.

سلمت على الكل.

وبعدين سمعت صوت باب المكتب بيتفتح.

قلبي وقف.

كان محمود.

خرج من المكتب.

وأول ما عينينا اتقابلت...

محدش فينا اتكلم.

هو وقف.

وأنا وقفت.

ثواني قليلة، بس حسيتها ساعات.

كل الكلام القديم رجع في دماغي.

تم نسخ الرابط