حكاوي كاتبة معرض الجثث كاملة بقلم حور حمدان

لمحة نيوز

كنت قاعدة في أوضتي أراجع شوية حاجات على الموبايل، لحد ما جتلي مسدج من سلمى أختي ومعاها صورة. أول ما فتحت الصورة، قلبي وقع من مكانه..

المكان اللي أنا عارفة إنه مجرد ورشة صغيرة جنب بيتنا، طلع شكله مختلف تمامًا.. الممر ضيق ومقفول بخشب عشوائي، ومن بين الفتحات طالعة إيدين! كتير جدًا.. شكلهم زي إيدين بني آدمين بس رمادية، ناشفة، مكرمشة.. وبتتحرك.

المسدج كان مكتوب فيه:

حور وانا بفتح الورشة الي جمب بيتك عشان احط فيها الحاجة الي انا وانتِ عملناها لقيت المنظر دا.؟!!

إيدي اتلجت، قلبي كان بيدق بسرعة.. كتبتلها وأنا مش مصدقة عيني:

يا خبر.!!  اي دا بجد انا معرفش حاجة والله اي المنظر دا بجد طب ما يمكن دول تماثيل مثلا جربي كدا تلمسي ايد منهم.!!!!

عدت دقيقة بس حسيتها ساعة كاملة، لحد ما وصلتلي مسدج تاني منها:

انتِ بتهزري يا حور دول مش تماثيل دول كلهم بشر متجمدين اصلا الاوضة اشبه بتلاجة بجد اي دا انا مرعوبة انتِ تنزلي تروحي معايا جوزك دا وراهه حاجة كبيرة

أنا اتجمدت في مكاني.. جوزي! عدي! ازاي يعني وراه حاجة زي دي؟ هو كان مسافر وهيرجع بليل، وأختي لقت كل دا في الورشة اللي هو بنفسه مأجرها من شهرين وقال إنها بس عشان التخزين!

كل الأفكار اتلخبطت في دماغي. أنا عمري ما دخلت الورشة، كنت

دايمًا بعدي من قدامها وخلاص. بس دلوقتي حسيت إني واقفة قدام كابوس.

جريت بسرعة نزلت من البيت وأنا مش عارفة حتى لبست إيه. الشارع كان هادي، والليل بدأ يسحب مع آخر ضوء للشمس. لقيت سلمى واقفة بعيد عن باب الورشة، ماسكة الموبايل في إيدها والهدية الكبيرة مرمية جنبها على الأرض، عينيها مليانة رعب كأنها شوفت حاجة محدش يقدر يصدقها.

قربت منها وقلتلها بصوت مخنوق:
– انتي متأكدة إن اللي شفتيه ده مش وهم؟

قالتلي وهي بتترعش:
– والله يا حور، لمست واحدة من الإيدين.. كانت باردة جدًا.. باردة لدرجة وجعتني. والجلد كان زي التلج، كأنه لسه خارج من فريزر!

حسيت عرقي ساقع على جسمي كله. بصيت على الباب الحديدي للورشة.. كان مفتوح نص فتحة، والضلمة جواه عاملة زي بير مالوش آخر.

وقفت لحظة مترددة.. أكمل وأدخل؟ ولا أسيب كل حاجة وأهرب؟ بس سؤال واحد كان بيخبط في دماغي زي المطرقة:

إيه اللي مخبيه عدي جوزي جوا الورشة دي؟
بصيت لسلمى وانا حاسة إني بخون نفسي لو ما دخلتش. قلتلها رغم رعشة صوتي:
– لازم نعرف في إيه.. مينفعش نسكت.

سلمى هزت راسها ببطء وقالت بصوت واطي:
– لو دخلنا ومحدش لحقنا؟

شدّيتها من إيدها وأنا بقول:
– خلاص، ندخل سوا.. بس لو حسيتِ إن في حاجة غلط، اجري على طول.

دخلنا من باب الورشة.. أول ما خطينا أول

خطوة، الهوا اللي جوا كان أبرد من برة بمراحل. نفسنا كان بيطلع بخار كأننا واقفين في تلاجة. الأرضية ناشفة بس ريحتها غريبة.. زي صدأ مختلط بريحة

النور كان ضعيف.. لمبة صفرا متعلقة في السقف وبتترعش كل شوية، تدي ومضة وتنطفي كأنها بتموت.

الممر اللي في الصورة قدامنا. الإيدين! يا الله.. ماكانتش صورة وخلاص.. كانوا حقيقيين. عشرات الإيدين طالعة من الفتحات بين الخشب، منهم اللي واقفة متيبسة، ومنهم اللي بيترعش، ومنهم اللي بيحاول يمد أكتر كأنه عايز يمسكنا.

سلمى شهقت بصوت مسموع، وأنا قلبي وقع في رجلي. بس حاولت أثبت وأقرب. مدّيت إيدي بحذر ناحية واحدة من الإيدين.. أول ما لمستها، كنت هصرخ! باردة بشكل لا يوصف.. 

سحبت إيدي بسرعة وأنا برتجف. سلمى قالت بخوف:
– دول  يا حور دول عايشين. بس متجمدين!

عيوني جريت على آخر الممر.. الباب الخشبي متسند بخشب عشوائي أكتر، كأنه متقفل عمدًا. بس الغريب إن من وراه كان في نور خفيف، أبيض وبيخطف النظر.

قلت لسلمى:
– النور ده مش طبيعي.. لازم نشوف إيه في وراه.

وإحنا بنمشي، الإيدين بدأت تتحرك أكتر.. كأنها حسّت بينا. في إيد ضربت في رجلي وأنا معدية، وفي إيد تانية مسكت طرف هدومي ولولا إني شديت بسرعة كانت جذبتني ناحيتها.

وصلنا للباب.. قلبي كان هيقف. سلمى بصتلي

وقالت:
– لو فتحنا الباب ده.. حياتنا مش هترجع زي الأول.

وبإيد بترجف، بدأت أفك خشبة ورا خشبة. كل مرة أشيل واحدة، الإيدين اللي حوالينا تتحرك أكتر وتخبط في الخشب كأنها بتعارض.

أخيرًا الباب اتفتح نص فتحة.. وطلع من وراه ضوء أبيض قوي وبرودة أضعاف اللي كنا فيها. مدّيت راسي أبص جوا..

ويا ريتني ما عملت.

الاوضة ورا الباب مليانة أجساد.. مش واحد ولا اتنين.. بالعشرات! واقفين متجمدين زي التماثيل، عينيهم مفتوحة والثلج مغطيهم، وكأنهم محبوسين في لحظة موت بطيئة.

وقدامي بظبط، كان في صندوق معدني ضخم مفتوح، طالع منه بخار أبيض.. وعلى الصندوق نفسه متعلّق ورق مكتوب بخط جوزي، عدي!

شدّيت الورقة بسرعة وقلبي هيقع.. كانت مكتوبة بخط واضح:

"من يلمس سرّي.. يتحول واحد منهم."

الكلمات كانت بتحفر في عقلي زي السكاكين. يعني إيه؟ يعني الناس دي كانوا طبيعيين؟ أحياء؟ وازاي بقوا بالشكل ده؟!

سلمى مسكت إيدي بقوة وقالت بصوت مخنوق:
– حور.. لازم نخرج. المكان ده مش طبيعي.

بس أنا كنت مشلولة. مفيش حاجة في الدنيا كلها ممكن تفسر اللي شايفاه. الورشة اللي عُدي مأجرها بقاله شهرين، اللي كان بيقول عليها مجرد "مخزن للأدوات"، طلعت جحيم متجمد!

سمعنا فجأة خبط جاي من آخر الغرفة، ووشّين من اللي واقفين متجمدين اتحركوا ببطء.

مش حركة كبيرة، لأ.. بس العيون! العيون اتحركت. كلهم فتحوا عنيهم مرة واحدة، سوااا..

تم نسخ الرابط