رواية كاملة ٦
قال ببرود
اقفلي الشبابيك.
بصتله باستغراب وقالت
ليه؟
قال
البرد هيدخل.
ابتسمت وهي بتكمل عجن.
وقالت
ولا يمكن الهوا هو اللي هيخرج الحزن اللي محبوس هنا من سبع سنين.
الجملة دي خلته يتجمد مكانه.
لأن محدش في القصر كله
كان يجرؤ يكلمه بالطريقة دي.
لكن اللي خلى قلبه يقف فعلًا
إنها بعد ما قالت الجملة
انقبض صدر سيف، والزمان كأنه توقف في المطبخ الواسع.
لكن اللي خلى قلبه يقف فعلًا إنها بعد ما قالت الجملة، رفعت إيدها وربطت وشاحها القماشي الأنيق حول شعرها بربطة مميزة ومزدوجة، نفس الطريقة الدقيقة والغريبة التي كانت تُعصب بها زوجته الراحلة ليلى شعرها كلما وقفت أمام الفرن لتخبز في سنوات زواجهما الأولى!
وقفت النظرات بينهما لثوانٍ بدت كالأبد.
سيف، الرجل المليونير الصلب الذي تخشاه مجالس الإدارة، خنقه الذهول وشعور غريب بالارتياب والدهشة. قرب منها بخطوات بطيئة وثقيلة، وعيونه متسعة بتدقيق حاد
أنتِ عرفتِ منين إن فيه حزن محبوس هنا من سبع سنين؟ ومين علمك تربطي الوشاح بالطريقة دي؟!
هبة لم ترتبك، ولم يتغير هدوء عينيها الواثقتين. رفعت يدها المغطاة بالدقيق، ومسحت طرف خذها وقالت بنبرة عادية وجريئة
البيوت يا سيف بيه ليها ريحة... القصر ده ريحته واقفة عند زمن معين، كأن الشبابيك ما اتفتحتش من يوم حادثة ست البيت ليلى. أما ربطة الوشاح... فدي طريقة ستات الفيوم والقرى المجاورة لما يخبزوا العيش الفلاحي، مش سر ولا حاجة.
سيف بلع ريقه بصعوبة. حاول يرجع لبروده المعتاد، لكن شيئاً ما في وجود هذه المرأة كسر الجدار
بداية الريبة وملاحقة الخيط
مرت الأيام متتابعة بعد حادثة المطبخ والضحكة المفاجئة التي هزت أركان القصر.
كانت هبة تتحرك في المكان كطيف من النور. تفتح الستائر، تعيد ترتيب الأثاث الباهت، وتطبخ أطعمة لم يدخل عجينها القصر منذ سنوات. الخدم بدأوا يبتسمون، وصوت الغناء الخفيف كان ينساب من المطبخ ليعيد الحياة إلى الجدران الميتة.
لكن سيف لم يكن رجلاً يعيش على الأوهام.
في ليلة ممطرة، بعد أن هدأ القصر وخلد الجميع للنوم، نزل سيف إلى الدور الأرضي. كان يعلم أن هناك شيئاً غير منطقي؛ الطباخة الجديدة تعرف تفاصيل دقيقة عن الذوق الخاص بزوجته الراحلة، تضع البهارات بنفس النسب، وتستخدم نفس الأواني الفخارية التي كانت ليلى تحبها وتخفيها في أرفف المطبخ السفلية!
اتجه سيف نحو غرفة هبة الملحقة بملحق المطبخ.
كان باب الغرفة موارباً قليلاً، وضؤ سراج خافت يخرج منه. تطلع من الفتحة الصغيرة، وشاهدها تتصفح دفتر أوراق قديم بتركيز شديد، وفي يدها الأخرى... الساعة الجلدية القديمة الخاصة ب ليلى!
تلك الساعة التي كان يلفها كل يوم عند الخامسة مساءً في مكتبه، كانت الآن بين يدي هبة!
انفتح الباب بقوة وهجم سيف على الغرفة وعيونه تشتعل غضباً وذهولاً
الساعة دي بتعمل إيه معاكي؟! أنتِ مين يا هبة؟! مين زقك عليا ودخلك القصر ده?!
قامت هبة واقفة بسرعة، وحطت الساعة على الترابيزة بكل هدوء دون أن تظهر أي ذرة خوف
أنا أخذت الساعة من مكتبك لما نزلت الضهر أغير الستائر يا سيف... كنت
سيف انتزع الساعة بإيد بتموت من التوتر وصصرخ بصوت هز أركان الملحق
أنا مش هسألك تاني! الاسم... الحقيقة... إيه علاقتك بليلى؟! وإيه السر اللي الحاجة أمينة أسرته وهي بتجيبك هنا?!
انقشاع الضباب والحقيقة الكاملة
هبة تنهدت بنفس طويل، وفتحت الدفتر القديم اللي كان على الترابيزة، ومدت إيدها به لسيف.
اقرأ يا سيف... اقرأ مذكرات ليلى أختي الكبيرة.
سيف اتسمر مكانه. الرؤية تشوشت قدامه
أختك... أخت ليلى؟!
قالت هبة بصوت مليء بالمرارة والحنان
أنا هبة أخت ليلى الصغيرة من الأم... اللي ليلى كانت بتصرف على تعليمها في السر ومن غير ما حد يعرف، عشان تحميني من عيلتنا وجشعهم زمان. في الليلة الممطرة من سبع سنين، ليلى ما اتعرضتش لحادثة عادية يا سيف... ليلى كانت رايحة تسلم أوراق مهمة للشرطة بتثبت إن رجال الأعمال اللي أنت بتتعامل معاهم بيستغلوتك وبيسرقوا مناقصات الشركة القابضة من ورا ضهرك، وكانوا بيخططوا لإفلاسك وتدمير اسمك!
سيف مسك الدفتر وإيده بتترعش، وبدأ يقرأ الخط المألوف لزوجته الراحلة. كانت التفاصيل مكتوبة باليوم والساعة.
كملت هبة ودموعها بدأت تنزل
العربية اتزقت من على طريق البحيرة بفعل فاعل... الحادثة كانت مدبرة من رجال الأعمال التلاتة اللي كانوا مستنيينك النهاردة في الصالة بره عشان تمضي عقد الشراكة الجديد! الحاجة أمينة كانت الحصن الوحيد اللي ليلى سابت عندها أسرارها وأوراقها، ولما أمينة كبرت وتعبت، أصرت إني أدخل القصر مكانها عشان أوقف الجريمة
سيف حس كأن جبل انهد على صدره. الصورة وضحت بالكامل؛ الضحكة، البسكويت المحروق، الساعة، والأوراق... كل شيء كان خطة مدبرة بحب وعناية من روح زوجته الراحلة ومن أختها لتنقذا حياته واسمه من نفس العصابة التي حرمته من حبيبة عمره!
النهاية
في الصباح التالي...
دخل رجال الأعمال الثلاثة إلى مكتب سيف الملوكي، وهم يبتسمون ابتسامات مزيفة ويحملون عقود الملايين لاستغلاله وإفلاسه.
لكنهم لم يجدوا سيف المكسور الحزين الذي عرفوه لسبع سنوات.
وجدوا أمامهم رئيساً قوياً، تحيط به أجهزة الشرطة والمباحث الجنائية. أُخرجت أوراق ليلى القديمة والتقارير المالية والتحقيقات المعاد فتحها بخصوص الحادثة، وتم إلقاء القبض على الثلاثة بالكلابشات أمام كاميرات التغطية والموظفين!
استرد سيف حقه، وأُغلق ملف الحادثة المؤلم بعد إظهار الحق وعدالة القانون.
بعد مرور عدة أشهر...
تغيرت الحياة في قصر الفيوم بالكامل. أصبحت الشبابيك مفتوحة دائماً للهواء والشمس، وصوت الحركة والبهجة يمشي في الممرات.
سيف حرك عقارب الساعة القديمة لأول مرة منذ سبع سنوات، وضبطها على الوقت الحالي... وقت بداية الحياة والشفاء.
أما هبة... فلم تعد طباخة القصر، بل أصبحت الشريكة والأخت والروح التي أعادت النبض لبيت كان على وشك الموت، وعاش الجميع في سلام وأمان... اتعلم الجميع أن الحب الصادق لا يموت بغياب صاحبه، وأن النية الصافية والوفاء يفتحان أبواب الأمل وينصران صاحب الحق في النهاية.
تمت بحمد الله.
صلوا على النبي، والحق