رواية مهمة زواج بقلم دعاء فؤاد
المحتويات
تقومي دلوقتي تلمي كل هدومك و متعلقاتك و ريم كمان صحيها و قوليلها تلم حاجتها كلها عشان هاخدكو معايا الدوار
نظر لحمد ليقول بنبرة آمرة
و انت يا حمد قوم اوصل الدوار هتلاقي مفاتيح عربيتي في درج الكومود بتاعي خودهم و هات العربية و ارجعلي على هنا
أومأ حمد ثم نهض متجها إلى حيث أمره أخوه
بينما معتصم ترك مارتينا لتقوم بما أملاه عليها و هبط الى الطابق الأرضي للوحدة ليتفقد المكان ربما يجد ما يدله على هوية هؤلاء اللصوص استل هاتفه من جيب جلبابه ليجري اتصال برجاله
ها يا سمعان وصلت لايه
قطرناهم يا كبير بس بيهربوا منا وسط الاراضي بس و الله ماهنسيبهم لو هيچرونا وراهم البلد كلاتها
اضرب عليهم ڼار ان لزم الامر يا سمعان
أوامرك يا كبير
أغلق الهاتف ثم أخذ يدور في غرف الوحدة و يتفقدها بحرص و بعد عدة دقائق هبطت اليه مارتينا تناديه و يبدو عليها الانزعاج الشديد
معتصم بيه ريم مڼهارة و مصممة ترجع القاهرة دلوقتي
لم ينطق بحرف بل صعد اليها مرة أخرى على عجل ثم طرق الغرفة المفتوحة بابها ليأتيه صوت شهقاتها العالية فتقدمت مارتينا من الخارج
اتفضل ادخل يا معتصم بيه ريم لابسة حجابها
دلف اليها ليجدها تجلس على حافة الفراش مرتدية ملابسها المعتادة من قميص نسائي طويل أسود اللون و بنطال چينز ضيق و حذاء رياضي أسود و حجابها أيضا من اللون الأسود و بكائها عبارة عن شهقات فقط و وجهها محمر من شدة الانفعال
دكتورة ريم اتفضلي معايا ف
قاطعته بصړاخ
انا مش رايحة في مكان انا هرجع بيتي في القاهرة و دلوقتي
كانت تتحدث و عينيها زائغة في مكان آخر و يبدو أنها على حافة الاڼهيار العصبي
فاقترب منها واقفا يحدثها برفق
هتروحي القاهرة ازاي دلوقتي انتي عارفة الساعة كام
ردت بذات الانفعال
همشي يعني همشي مش قاعدة دقيقة واحدة في البلد دي انا عايزة اروح بيتي
أخذت تردد العبارة الأخيرة و هي تشهق بأنفاسها التي بدأت
تضيق و تزداد فخشي أن تأتيها نوبة الهلع من جديد و أدرك أنها ليست في وعيها الكامل
ريم اهدي بقى عشان نعرف نتفاهم
و لكن كان ازدياد شهقاتها هو ردها عليه لينظر الى مارتينا و هو يقول بنبرة ذات مغذى
لو سمحتي يا مارتينا هاتيلها كوباية مية يمكن تهدى شوية
أدركت مارتينا أنه يريد الانفراد بها لعله يقنعها بالعودة معه الى الدوار فأومأت له و خرجت من الغرفة
تقدم منها حتى نزل على ركبتيه على الأرض ليكون رأسه في مستوى رأسها و دون أن يلمسها أخذ يتحدث اليها بهمس حاني
ريم اهدي بقى اتنفسي براحة
نظرت له بعينين محمرتين من فرط البكاء ثم قالت بعدوانية
مش ههدى غير لما ارجع بيتي
أشاح برأسه للجهة الأخرى متنفسا بعمق ثم نظر لها مرة أخرى ليقول بذات النبرة الحانية
طاب بطلي عياط و أنا هعملك اللي انتي عايزاه
أيضا لم تهدأ شهقاتها و لو مقدار شهقة واحدة بل شفتيها ترتجفان بالتزامن مع ارتجاف يديها و اهتزاز جسدها بالكامل من فرط الانفعال فنظر لعينيها بعمق ثم قال و هو يتلاعب بها بمكر
الظاهر كدا عجبك حضڼي
اتسعت عينيها پصدمة و توقفت حركة جسدها تماما فابتسم بانتصار و استرسل بمزيد من المكر و بهمس مثير للغاية
ماهو أصل حضڼي هو اللي بيهديكي
بدأت تواتيها ذكرى الأحداث الماضية حين قام باحتضانها حتى هدأت أثناء نوبة الهلع لتحمر وجنتيها خجلا و تهب واقفة من الفراش مولية ظهرها له ليقف هو الآخر ليقول بجدية
أخيرا هديتي ريم خلينا نتكلم بالعقل شوية
استدارت له لتتحدث بحدة و هي تنظر أرضا
أنا حقيقي مش هقدر أكمل هنا تاني أنا هعمل محضر و هقدم على طلب نقل للقاهرة
حين أدرك أنها تذكرت ما حدث و عادت لوعيها عاد أيضا لغلظته التي عاهدته عليها فرد بنبرة قاطعة و بحدة بالغة
مفيش محاضر هتتعمل حجك انا هعرف اچيبهولك و كل اللي اتسرج منيكم هيرچع ماهو مبجاش كبير البلد دي لما شوية اكلاب يغفلوا ضيوفي و يسرجوهم كانهم مفكريني طرطور وسطيهم
ابتلعت ريقها بصعوبة من رهبتها و هتفت به بنبرة مهتزة
انت بتزعقلي كدا ليه
و ان ما نزلتي امعايا دلوق هتشوفي اللي مش عتحبي تشوفيه واصل يا ست الضاكتورة
ردت پخوف نوعا ما
انت من شوية كنت كيوت انت بتقلب مرة واحدة كدا ليه
كتم ضحكته بصعوبة بالغة محافظا على وجهه الصارم و نبرته الغليظة متجاهلا رأيها به
همي يلا لمي هدوماتك حمد مستنينا تحت
لكنها حاولت أن تتحلى بالشجاعة لتقول بنبرة قاطعة
أنا مش هتحرك من هنا و اروح أبات في بيت واحد غريب عني بدون علم أهلي
رغم شعوره بالاعجاب و الاحترام الشديد لتقريرها بذلك الا أنه تأفف بنفاذ صبر
معناته ايه كلامك
انكمشت ملامحها و كأنها ستعود من جديد للبكاء حين
أنا عايزة أدهم أنا عايزة أكلمه أنا هقوله ييجي ياخدني من هنا
ثم أخذت تدور حول نفسها و كأنها تبحث عن شيئ ما فاستنفرت عروق رقبته پغضب بالغ حين ذكرت ذلك المجهول بالنسبة له و لكنه حاول أن يتحلى بالهدوء ليسألها بجدية
انتي بتدوري على ايه
بدور على تليفوني عشان أكلم أدهم
جذبها من ذراعها و هي منحنية تبحث عن الهاتف لتعتدل أمامه ليصيح بها بعدم وعي منه
أدهم مين اللي عايزة تكلميه دا يبقالك ايه
نزعت ذراعها منه پغضب جامح لتصرخ بانفعال
متلمسنيش تاني انت فاهم
أخذ نفسا عميقا يحاول به تهدئة نفسه ثم زفره على مهل ليقول بهدوء نوعا ما
يا بت الناس اعجلي اكده و خلونا نخفى من اهنيه و بعدين كلمي اللي تكلميه
ثم ما لبث أن تذكر شيئا ما و هي مازالت تبحث
و بعدين الحرامي سرج كل حاچة مخلاشي حاچة واصل حتى دهبات زميلتك سرجها يعني لا حيلتك افلوسات و لا تلفونات و لا أيتها حاچة واصل
اتسعت عيني ريم پصدمة لتقول بملامح مشدوهة
يعني ايه يعني مش هعرف أكلم أدهم
رد و هو يكظم غيظه بصعوبة
لو حافظة رقمه خودي تلفوني كلميه
لا مش حافظاه مسيفاه على الموبايل مش حافظة أي ارقام خالص
طاب خلاص اكده مفيش جدامك غير انك تاچي امعايا و مټخافيش هتباتي في المضيفة اللي چار الدوار يعني بعيد عن اللي بايتين في الدار و في غفر بيحرسوا المضيفة لما بيكون عندينا فيها ضيوف يعني انتي امعايا في أمان و محدش يجدر يدوسلك على طرف طول مانتي في حماية الكبير
تهدل كتفاها باحباط لتهز رأسها بإيماءة
أخيرا راسك اللي كيف الحچر الصوان دي لانت دا انتي طلعتي واعرة جوي
رمقته بنظرة متحدية
و الله لولا الظروف اللي زي الزفت دي و الدنيا اللي متقفلة في وشي دي ما كنت وافقت أبدا على كلامك
حانت منه شبه ابتسامة ليقول بنبرة متهكمة
معلهش ما يوجع الا الشاطر بس احم ألا مين أدهم اللي عايزة تكلميه
أدهم أخويا الكبير مبعرفش أعمل أي حاجة بدون علمه
قطب جبينه باستنكار
باه باينه واعر جوي و بتهابيه
هزت رأسها بنفي
لا لا مش زي ما انت فاكر بالعكس دا من حبي و احترامي ليه أدهم دا مفيش أحن منه
أومأ عدة مرات و هو يقول
ربنا يباركلك فيه بينا يلا ننزلو لحمد
بقلم دعاء فؤاد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الرابعة عشر
رواية مهمة زواج
بينما كانت ندى تجالس السيدة تيسير يتمازحان و يضحكان على مواقف من الطفولة حين كانت ندى طفلة صغيرة تعيش بينهم قبل اغتيال والدتها و انتقالها مع أبيها الى الولايات المتحدة تفاجئا بأدهم يخرج من غرفته ركضا مرتديا بنطال چينز أسود و قميص أسود ينتعل حذائه فركضت اليه ندى تسأله بقلق
أدهم انت بتجري كدا ليه ايه اللي حصل و رايح فين
أجابها باستعجال و هو يعقد رباط حذائه
لسة مكلم آسر دلوقتي بعد ما جاتلي رسالة انه تليفونه متاح و قالي ان خطيبته عملت حاډثة و في المستشفى بين الحيا و المۏت
شهقت السيدة تيسير حين استمعت لذلك و أخذت تردد
لا حول و لا قوة الا بالله حبيبي يا آسر ربنا ينجيهاله يابني خلي بالك من نفسك يا أدهم و انت سايق عشان خاطري و ابقى طمنى يابني
أومأ عدة مرات ثم فتح باب الشقة سريعا و هبط الدرج ركضا ثم استقل سيارته متجها الى مشفى الدكتور رؤف
بعد حوالي نصف ساعة وصل أدهم الى طابق العناية المركزة ليلفت انتباهة تلك المشاجرة القائمة بين آسر و حماه في ركن ما بالطابق
يا عمي قولتلك سيب ميريهان هنا و أنا هفضل جنبها مس هسيبها
صاح بها آسر بانفعال بالغ و هو يلوح بيده و يبدو أن الشجار قائم منذ فترة و قد احتدم بينهما للغاية فمن ثم رد محمد بانفعال أشد
دول بناتي أنا و انت مالكش الحق تقرر عني أنا هاخد بناتي الاتنين و هسافر شئت أو أبيت و رأيك ميهمنيش و مش مستني اخد الاذن منك
استنفرت عروق آسر پغضب جامح ليصيح بصوت حاد
أنا مش هسيبها انت عارف ان بينها و بين المۏت شعرة ليه تبهدلها في السفر سيبها ټموت هنا قدام عيني
أخذ محمد يلوح بيده موجها حديثه لوالد آسر
ما تلم ابنك يا سعيد أنا حر في بناتي أنا الوحيد اللي هنا صاحب القرار هو مالهوش أي صفة خطيبته خلاص ماټت خوده بقى و امشو من هنا
التمس سعيد العذر لمحمد و لم يعاتبه أو ينجرح من كلماته اللاذعة فجرحه غائر و يبدو من مظهره
الغاضب أنه ېموت في اللحظة ألف مرة فأي شخص في مكانه لما تحمل ما يتحمله الآن
بينما كان أدهم يتابع المشاجرة بذهول فهل حقا ميريهان ماټت
نفض رأسه سريعا ثم تدخل ليجذب آسر من ذراعه بعيدا عن حماه فلا الوقت ولا المكان مناسبان لتلك المهزلة
آسر ميصحش تزعق قصاد حماك بالطريقة دي
أوشك آسر على البكاء ليقول بمرارة
ميريهان خلاص مخها ماټ و كلها ساعات و القلب يقف و السر الالهي يطلع ياخودها يعالجها برا ليه يا أدهم و العقل بيقول ان حالتها مالهاش علاج
ربت أدهم على كتفه بمواساة و هو بالكاد يسيطر على حزنه الذي أثاره صديقه بداخله ليقول بجدية و هدوء في ذات الوقت
الله يكون في عونه يا آسر محدش حاسس باللي هو فيه سيبه يعمل اللي يريضيه طالما كدا هيكون مرتاح مش كفاية الابتلاء اللي هو فيه
رد عليه بنبرة قاطعة
مش هقدر اسيبها سفرها ألمانيا مالوش أي لازمة ليه عايز يبعدها عني الشوية اللي فاضلين في عمرها
أقبل عليهما سعيد والد آسر ليقول موضحا
اللي انت متعرفهوش يا أدهم ان مودة هي كمان حالتها خطېرة و محتاجة تدخل جراحي في اقرب وقت و محمد هيسفرها المانيا و هياخد ميري نفس المستشفى أب و عايز بناته معاه أيا كانت حالتهم ايه مالناش أي حق اننا نعترض على قراره
هز أدهم رأسه عدة مرات ثم تطلع لآسر بعتاب
لا يا آسر مالكش حق في وقفتك و اعتراضك الراجل في البلاء الشديد دا و انت عمال تقاوح معاه يا أخي سيبه يعمل اللي في مصلحة بناته دا بدل ما تقوله اللي تشوفه يا عمي انا معاك فيه
أطرق رأسه بحزن و ضيق و هو يكاد يختنق من فرط الضغط سواء من أدهم أو من أبيه ليقول بأسى
محدش حاسس بيا ميري واخدة روحي معاها مش هقدر أسيبها مش قادر
اصبر يا آسر أومال ابوها يعمل ايه هو دا عمرها محدش بياخد ساعة زيادة عن عمره اللي ربنا كاتبهوله ان شاء الله يا حبيبي تقابلها في الجنة
بدأ يهدأ رويدا رويدا إثر كلمات أدهم التي نزلت على قلبه كالماء البارد فاستخرج منديل من جيبه أعطاه له فأخذه آسر منه و أخذ يجفف عينيه و هو يردد بصوت متحشرج من أثر البكاء
إنا لله وإنا إليه راجعون
ادخل ودعها و بص عليها للمرة الأخيرة
قبل ما الاسعاف ياخدها
أومأ بخضوع ثم ابتعد عن صديقه ليسير بلا روح الى العناية المركزة يستأذن الطبيب ليودعها الوداع الأخير في حين كان محمد ينهي اجراءات سفره بابنتيه
صدح أذان الفجر في سماء القاهرة حين أقلعت الطائرة المجهزة بوحدة عناية مركزة متحركة تقل مودة و ميريهان و والدهما و الدكتور رؤف و معهما فريق طبي لاحتمالية حدوث أي أمر غير مرغوب فيه أثناء نقل المريضتين
و بمجرد أن أقلعت الطائرة نزل آسر على ركبتيه على أرضية المطار و بكى و كأن روحه تصعد في السماء لا يصدق أن هذا نهاية طريقة مع من استحوذت على قلبه و ملكته بلا منازع
نزل أدهم الى مستواه ليحيط كتفيه بذراعه و تركه يفرغ ما بنابضه فقد امتلئ القلب حتى فاض بالحزن
بينما ندى لم تنم ليلتها قلقا على أدهم فقد أدت صلاة الفجر و قرأت وردها و ها هي الشمس قد أوشكت على الشروق و لم يعد بعد
خرجت لتجلس في صالة الاستقبال المقابلة للباب حتى تراه حين يعود لعل قلبها يطمئن
غفت على الأريكة دون أن تشعر و قد كانت لازالت بملابس الصلاة و في تلك الأثناء عاد أدهم و علامات الارهاق متجلية على ملامحه ليقابل ندى و هي غافية على الأريكة
ندى ندى
فتحت عينيها بصعوبة لتقول بصوت ناعس
أخيرا رجعت يا أدهم
انتي ايه اللي
اعتدلت لتأخذ وضع الجلوس ثم أجابته بصوت متحشرج من أثر النوم
قلقت عليك لما اتأخرت فصليت الفجر و قعدت أستناك هنا
حانت منه ابتسامة باهتة ثم انحنى ليجذبها من يدها لتقف قبالته ثم قال
طاب ادخلي نامي بقى انا قدامك اهو كويس
هزت رأسها ثم سحبت يدها من يده و من ثم سارت باتجاه غرفتها و حين تبين له ذلك سار خلفها ليستوقفها بقبضة يده على يدها و هو يقول
انتي رايحة فين
أجابته ببراءة
رايحة أنام في قوضتي
أدارها لتقف في مواجهته ثم رفع يديه لمستوى رأسها ليقوم بفك حجابها و هو يقول
احنا مش اتفقنا اننا هننام في قوضة واحدة و شعرك دا ميتغطاش قدامي
أطرقت رأسها بخجل
انت مقولتش اننا هننام في قوضة واحدة
صدرت منه ضحكة بسيطة ثم قال بمكر
أومال احنا هنتجوز ازاي هنتجوز عن بعد مثلا
احمرت وجنتيها خجلا و هي تنظر له بجحوظ ثم تهربت بعينيها من النظر بعينيه فازدادت ضحكاته أكثر من ذي قبل ثم رأف بحالة التوتر التي أصابتها بالتزامن مع خجلها الزائد و أخذها من يدها و سارا سويا باتجاه غرفته و قد سارت معه بلا اعتراض
أنا هدخل الحمام أخد شاور و اتوضى عشان أصلي وانتي خودي راحتك اعتبري نفسك لوحدك في القوضة
أومأت بصمت و بمجرد أن اختفى عن ناظريها خلعت اسدالها لتظهر تلك البيچامة البيضاء من الستان التي أظهرت ذراعيها ثم تمددت على أقصى طرف الفراش و تدثرت جيدا بالغطاء الخفيف بعدما ضبطت درجة حرارة المكيف على البارد و دون أن تشعر هوت في سبات عميق فأحداث اليوم لم تكن بالقليلة ما جعلها تهرب من تلك البداية الجديدة بالنوم
بعد عدة دقائق خرج أدهم من المرحاض مرتديا ملابس النوم فتفاجئ بها نائمة بأقصى الفراش و كأنها على حافة السقوط ليضحك بسخرية و هو يهز رأسه بيأس ثم قام بفرد سجادة الصلاة ليؤدي صلاته و بعدما انتهى تمدد بجوارها ثم أخذ يتأملها قليلا و صديقه آسر و فقدانه لحبيبته مازال يحتل تفكيره واتته مشاعر غريبة لم يختبرها من قبل حين تخيل أنه يمكن أن يفقدها شعر بأن قلبه يكاد ينخلع من موضعه ان حدث معه ذلك فأغمض عينيه يستعيذ بالله من تلك الوساوس و دعى ربه بألا يذيقه مرارة الفقد فمذاقها أمر من الحنظل
مسد على شعرها الذي لم يعشق منها سواه حتى الآن ثم انحنى ليزيح تلك الغرة الكثيفة التي غطت جبينها حتى حاجبيها ليظهر له ذلك الچرح الصغير ثم لثم جبينها ببطئ وأخذ يتمتم بهمس و هو مازال يمسد على شعرها
ربنا يخليكي ليا يا ندى
ترك شعرها ثم عاد لينام بالطرف الآخر تاركا بينهما مسافة مناسبة احتراما لرغبتها أو يمكننا القول رأفة بخجلها فهو يدرك جيدا مدى حيائها و أنها لم تعتاده بعد
انقضى يوما حافلا بالأحداث المصيرية ليأتي يوما جديدا ينتظر أبطالنا ربما تنقلب به الموازين
في محافظة سوهاج
استيقظ معتصم بعد ليلة قضاها في نوم متقطع لا يشبع ولا يسمن من جوع فقد سيطرت ريم على تفكيره و احتلت كيانه بالكامل رغما عنه كان يتذكر أحداث تلك الليلة حين كانت بين ذراعيه و حين نزل على ركبتيه أمامها شخصيته الصارمة التي تحولت إلى شخص آخر لا يعرفه لا يدري متى ظهر ذلك الجانب الحنون منه و لما ظهر لها هي بالذات لم تكن الأولى بحياته فقد مررن به الكثيرات و من هن أشد منها جمالا فحتى زوجته رغم جمالها الفتاك و قوامها المثير لم تحرك فيه ما حركته تلك القطة المتمردة ماذا فعلت به و من أين ألقاها عليه القدر
كنتي مستخبيالي فين يا ريم أنا كنت عايش و مزاجي حلو ولا كان في دماغي حب و لا شوق جيتي قلبتيلي كياني كله يا ريتني ما شوفتك ولا عرفتك
و كانت تلك آخر فكرة واتته ثم بعدها غفى حتى أشرقت الشمس و تسلل نورها عبر ستائر غرفته لتداعب جفنيه اللذان استجابا سريعا لها و استيقظ و كأنه لم ينم قط
بعد حوالي نصف ساعة كان معتصم يجلس بجوار أمه بأريكتها المفضلة يقص عليها ما حدث ليلا أثناء نومها و بالطبع أخبرها بوجود ريم و مارتينا بالمضيفة
أباااه يا ولدي كيف جلبهم طاوعهم يسرجوا ضيوف الكبير كانهم مفكرين راح ينفدوا بعملتهم الواعرة
ربت معتصم على فخذها و هو يقول
باينهم أغراب يامايا ماهو محدش من البلد يتچرأ يعمل العملة دي بس أني هعرف كيف أتوبهم
قاطع مجلسهم الخفير سمعان مقبلا عليهما و هو يلهث و بيده حقيبة سوداء ثم قال بنبرة مفتخرة
ربطهم في مزرعة المواشي مع البهايم كيف ما أمرت يا كبير
حانت من معتصم ابتسامة واثقة ثم هتف بقوة
و فين اللي سرجوه
ركض سمعان اليه واضعا تلك الحقيبة على الطاولة الرخامية أمام كبيره
دياتي يا كبير الدهبات و الفلوسات و حتى التلفونات كله رچعته يا كبير
أومأ معتصم بفخر
عفارم عليك يا سمعان انت اكده صوح دراعي اليمين عدي ع المزرعة انت و الرچالة اللي كانو امعاك و كل واحد فيكم يختارلو نعچة على كيفه و خود الفلوسات دي فرجوها علي بعضيكم
قالها و هو يستخرج رزمة من المال من جيب جلبابه فأخذها سمعان و هو يقبل يد معتصم فسحبها سريعا و هو يقول
استغفر الله دي حجك انت و الرچالة اللي تعبت يلا روح و متنساش تسيب
حد عينه على الكلبين دول و فيشي أكل ولا شرب لحد ما افكر هعمل ايه وياهم
أومأ سمعان و هو يكاد يطير من الفرح بتلك الغنيمة التي حصل عليها بينما السيدة ام معتصم أخذت تتطلع الى ولدها بفخر و اعجاب ثم ما لبثت أن قالت بتأثر
كاني شايفة الحاچ حمدان البدري الله يرحمه هو اللي جاعد جدامي دلوق مخابش ظن ابوك يوم ما جالي انك خليفته من بعده في البلد دي
ابتسم معتصم تأثرا بإطراء أمه ثم انحنى يقبل ظهر كفها و هو يقول
ربنا يخليكي ليا يامايا أني دايما أجولك هذا الشبل من ذاك الأسد و بعدين أني من غير وچودك چاري مسواش حاچة
مسدت على شعره بحنو ثم أخذت تدعو له بدعواتها التي تدمع العين من شدة اخلاصها و خشوعها و هو يؤمن خلفها
عم عليهما صمتا وجيزا قطعه معتصم بقوله
بجولك يا امايا يعني لما الضاكتورة ريم تصحى واچب تجعدي وياها و تعزميها هي و زميلتها على شبكة حمد و صافية الليلة طالما هيشرفونا في الدوار اليامين دول
ابتسمت السيدة بمغذى فهي قد لمست اعجابه بها رغم عدم اظهاره لذلك ثم قالت بجدية
من غير ما تجول يا ولدي اني كنت ناوية على اكده زي ما جولت ده واچب و احنا
الواچب ميفوتناش واصل
تنهد بارتياح ثم استل هاتفه لكي يوقظ شقيقه فاليوم حافل و لا بد من تجهيز الدوار استعدادا لتلك
بدأت ملامح والدته بالعبوس و كأنها تذكرت شيئا سيئا ليهتف بها معتصم بقلق بعدما استشعر حزنها المفاجئ
مالك يامايا انتي شربتي دوا الضغط النهاردة
أومأت و هي تقول بملامح واجمة
مټخافيش يا ولدي أني زينة
لاه يامايا شكلك ميطمنش واصل
تطلعت إليه و قد غشت الدموع عينيها الأمر الذي جعل قلبه يكاد ينخلع من موضعه ثم قالت بصوت متحشرج
كان بدي الخطوبة دي تكون خطوبتك انت انت ولدي البكري و أول فرحتي كيف يعني الصغير يتچوز جبل الكبير اني مخبراش راسك اللي كيف الحديد دي عتلين ميتى يا معتصم
أغمض عينيه يهدئ من ضربات قلبه التي تسارعت من فرط القلق ثم أخذ نفسا عميقا بعدما رسم بسمة مصطنعة على شفاه ثم قال بمزاح
يا ولية وجعتي جلبي في رچليا بس اكده بجى هو ده اللي خلى الهم يغير ملامحك الزينة دي
تطلعت إليه بحنق فهو دائما ما يقلل من أهمية ذلك الأمر فضحك اثر تلك النظرة المغتاظة ثم حاوط كتفيها بذراعه و هو يقول بنبرة مقنعة
ياما انتي خابرة إني مفاضيشي للچواز و مسؤلياته أني ملاحجش على المزارع و الاراضي و مشاكلها اهنيه دا غير مشاكل أهل البلد و الجعدات العرفية اللي كل يوم و التاني بنعملوها في المضيفة غير بجى شركتي و مصنعي اللي ف بحري مين اللي هتحمل دي كله يامايا
همت لتقاطعه بينما هو سبقها ليقول
اني خابر ان دي مش حچة بس على الأجل استني هبابة يكون حمد اتچوز و اهو بدأ يشيل عني كتير في الشغل اهناك يعني خلاص هانت يامايا
جففت عينيها ثم تحدثت بنبرة جاهدت أن تبدو صارمة
هستنى هبابة يا معتصم بس مش راح استنى كتير نفسي أشيل ولدك جبل ما أجابل وچه كريم
بعيد الشړ عنيكي يامايا و الله جريبقريب جريب جوي يا تاچ راسي
وعدها و حينها تمثلت أمام عينيه صورة ريم و كأنها أتت لتقول له أنا قدرك فابتسم بحالمية شاردا بها و مازال يسند رأس أمه الى صدره
بعد
قليل ترك أمه و ذهب الى المزرعة حيث اللصان اللذان احتجزهما هناك
أخذا يعتذران منه بتوسل و لكنه أبى أن يطلق سراحهما ثم تركهما مربوطي الأيدي و عاد مرة أخرى إلى الدوار ليجد ريم تجلس بمكانه بجوار أمه و مارتينا تجلس بكرسي قريب منهما
أقبل عليهم محاولا الحفاظ على صرامته أمامها فيبدو أنه قد فقد الكثير من هيبته أمامها بالأمس الأمر الذي أثار ضيقه البالغ
بمجرد أن اقترب منهم هبت ريم واقفة لتقول برقة قبل أن يتفوه بأي شيئ
معتصم بيه أنا متشكرة أوي على ضيافتك لينا و انك رجعتلنا الحاجات اللي اتسرقت مننا بس بعد اذنك عايزة الموبايل بتاعي عشان أكلم أدهم عشان أعرفه اني راجعة القاهرة النهاردة
قطب جبينه باستنكار ثم سألها بثبات
و مين جال انك هتعاودي القاهرة النهاردة
بدأت أعصابها تثور فيبدو أنه سيعاندها أو سيجبرها على أمرا لا تريده ثم صاحت بحدة طفيفة
أنا اللي قولت و افتكر قولتك امبارح اني مش هقعد في البلد دي تاني
رد عليها بنفس نبرة صوتها
و انا مجولتش انك هترچعي القاهرة أنا استجبلتك اهنيه في الدوار لحد ما أرچعلك حجك و شغلك في الوحدة هتكمليه
مش من حقك تقرر اذا كنت أكمل شغلي ولا لأ
لا من حجي أني كبير البلد دي و مفيش حاچة بتتم من غير موافجتي
أنا لا يمكن ادخل المكان دا تاني بعد اللي حصل مستحيل
معناته ايه الكلام ده مفيش مخلوج في البلد عرف باللي حوصل و مش هسمحلك تشوهي شكلي وسط ناسي انتي لو سيبتي الوحدة الكلام هيكتر في البلد عايزة تچرسيني وسطيهم عايزاهم يجولو الكبير مجادرش يحمي ضيوفه
ربعت ذراعيها أمام صدرها لتقول بنبرة ذات مغذى
آاااه قول كدا بقى انت كل اللي هامك شكلك و منظرك في البلد انما أنا عايزة ايه أو هكمل شغل ازاي في مكان مش حاسة فيه بالأمان دي مش مشكلتك مش كدا
سكت معتصم يريد أن ينفي ما تقوله يريد أن يقر لها بأنه يخشى فقدانها أنه سيفتقدها بعدما امتلكت قلبه أنه سيشتاق لها ان ابتعدت عنه و لكن نهوض أمه من مكانها أنقذه فقد قامت تربت على كتف ريم تهدئها و هي تقول
يا بتي احنا اتعودنا عليكي و فراجك يعز علينا و بعدين لو على الأمان معتصم هيأمن الوحدة و هيدج حديد على الشبابيك و الابواب و هيسيبلك هناك غفر يحرسوها كمان بالليل و بالنهار
همت لتعترض لكن مارتينا لم تعطيها الفرصة فقد أحبت وجودها معها في الوحدة لتقول باستعطاف
خلاص بقى يا ريم أنا واثقة و متأكدة ان اللي حصل دا مش هيتكرر تاني معتصم بيه قد الدنيا و استحالة يسمح بحاجة زي دي تتكرر و بعدين انتي عايزة تمشي و تسيبي اختك الغلبانة لوحدها
عبست ملامحها بضيق لتقول
مارتينا أدهم لو عرف اللي حصل استحالة يوافق اني أكمل هنا هو أصلا من الأول مكانش راضي أستلم شغلي في الصعيد و كان بمعارفه قادر ينقلني في أي مكان أختاره بس أنا اللي أصريت أخوض التجربة و يا ريتني كنت سمعت كلامه من الأول
ضړبت ام معتصم على صدرها بخفة لتقول بعتاب
باه يا ضاكتورة و هو احنا جصرنا وياكي يا بتي دا احنا الود ودنا نشولوكي فوج راسنا
عادت لتقول باعتذار
لا طبعا يا حاجة انتو مقصرتوش أبدا أنا بس خاېفة أخويا ياخد مني موقف لو عرف
تدخل معتصم ليقول بنبرة قاطعة
مالكيشي صالح بخيك أني هكلمه اعتذرله عن اللي حوصل وياكي ليلة امبارح و متحمليشي هم حاچة واصل
تنهدت ريم بقلة حيلة لتهز رأسها بإيماءة بسيطة كناية عن استسلامها لكلامهم فاتسعت بسمة الحاجة ام معتصم و كاد معتصم أن يبتسم فرحا بذلك و لكنه جاهد نفسه لاخفائها و تنهد بارتياح كبير و كأنه أنجز أحد أصعب مهماته تلك العنيدة المتمردة يبدو أنها ستذيقه الويلات حتى يخضعها له
بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الخامسة عشر
رغم نومه عند شروق الشمس الا أنه استيقظ باكرا في موعده المعتاد للذهاب الى مقر عمله بالعمليات الخاصة فحتما آسر لن يستطيع الحضور بعد تلك الليلة العسيرة التي مرت عليه أمس و بذلك فهو لا يتثنى له التغيب عن العمل
استطاع أن يعد ملابسه الميري بصعوبة ثم ارتداها و هو يتحرك في الغرفة بهدوء حتى لا تستيقظ ندى فهي ايضا قد قضت ليلتها مستيقظة في انتظاره
انتهى من تلك المهمة الشاقة ثم وقف أمام المرآة يمشط شعره و ينثر عطره النفاذ عليه بغزارة ثم تمم على سلاحھ و من ثم تحرك بخطى بطيئة ناحية حافة الفراش التي تنام عليها ثم برك على ركبتيه ليكون رأسه بمستوى رأسها و أخذ يمسد على شعرها و هو يتأملها بحالمية ثم انحنى ليزيح غرتها الغزيرة
لم يتحرك أدهم ايضا و ظل متسمرا هكذا يحاول السيطرة على ضربات قلبه المتسارعة اثر فعلتها المباغتة فاغمض عينيه يلملم شتات نفسه ثم تنهد بعمق و قام بابعاد ذراعها
متابعة القراءة